كعادتي في تلك الحفلات و السهرات الضخمة..أجد ذلك الجو الأرستقراطي المصطنع من حولي يصيبني بالاختناق..
فأنا أمقت هذه الأقنعة المزيفة المرسومة على وجوه الجميع بأن " الحياة حلوة " ولا شيء هناك يدعو للقلق..
مادامت الكؤوس ملأى بما لذ و طاب..و مادامت الخزائن منتفخة في بطون البنوك..فالحياة بالتأكيد حلوة..!
أو هكذا يرونها...!!
و كعادتي في مثل هذه المواقف التي لابد و أن تطبع فيها البسمة الدائمة - ولو مزيفة - على شفاهك..قررت أن أريح فمي من هذه الإنفراجه المضحكة التي آلمت عضلات فكي (الزهقان)..
أحسست أنني لابد و أن أخلع أنا أيضا " القناع " حتى أتنفس هواءا نقيا و لو قليلا..
قررت أن أتوجه ناحية الشرفة بعد أن تلقيت نداءا هادئا من نسمات هواء الليل العليل لأشاركها رقصتها الرقيقة حول النجمات الساطعات في عباءة السماء الراقية السواد..
كان لابد أن ألقي بعض الابتسامات هن اوهناك..وبعض الإيماءات و الانحناءات..و إبداء بعض المجاملات في أثناء طريقي إلى الشرفة..
(يااه..ألن تنتهي هذه المسرحية..؟؟) قلتها لنفسي عندما اقتربت من الشرفة و أخيرا..
ياله من احساس رائع حينما تترك كل هذه الضوضاء و الصخب المادي لتوحد كيانك مع الطبيعة..استطعت ان أخلع قناعي الوهمي لألقيه جانبا لكي أبتسم من قلبي لهذا الجو الصافي البديع..
أغلقت عيناي و ظللت أتمايل مع نسمات الهواء في رقصة رومانسية ، و أعتقد أنني ظللت على هذا الوضع غائبة عن الوعي..تائهة في عالم الأحلام مايقرب من عشر دقائق..أتمايل و أدندن و أسرح بخيالي لأبعد الأفق..أراني مرة ريشة في بحر الهواء تتلقفها النسمات يمينا و يسارا..
ومرة أخرى أشعر أنني ورقة خريف تسبح في اللاشيء أثناء رحلة سقوطها من بين أفرع الشجر حتى تصل إلى الأرض..
وبالفعل كانت هذه نقطة الوصول..حين أفقت من هذه الأحلام على شاب ينظر لي في رقة.. و أقل ما يقال في وصفه أنه الجمال متنكر في صورة رجل..
حدثت نفسي في خجل:
- يبدو أنه هنا منذ فترة..كيف لم ألحظ وجوده من قبل..كيف لم أراه..؟
ما أغباني.. ياله من موقف محرج جدا..
ثم انطلقت للداخل بين نظرات عينيه العميقة وهو يتابعني بتلك العينين السوداوين التي لم أجد لهما مستقر..
- ياله من مأزق..أقولها لنفسي..
لقد دخل خلفي مباشرة وهاهو أراه يتحدث مع أحد الحاضرين الذي استقبله فور خروجه من الشرفة و يبدو أنه يسأله عني فأنا أرى الرجل يشير ناحيتي فأجد الشاب يبتسم لي أرق و أعذب ابتسامه رأيتها في حياتي..
وجدتني أذوب في خلف تلك الابتسامه و لا أجد لأوصالي مستقرا وقد كنت موشكه على الانهيار التام أمام هذا الجمال الرهيب و الوسامة الأخاذه و البسمة الساحرة و العيون التي أرى فيها أسرار الكون المسمى بالرجل..
ابتسمت أنا الأخرى بدوري و كان الخجل يرتديني كعبائته..
- ماذا أفعل الآن..؟ سألت نفسي ولم أكن أنتظر إجابة..! فأنا بيني و بين نفسي لم أعد أجد القرار..فقررت أن أترك لنفسي القرار والمسار..
باقي السهرة كانت حوار بالأعين..بيني و بينه..فلم أقوى على الاقتراب و لاهو كذلك..
كنت أود حقا أن أعرف من هو..ولكن حتى الآن يكفيني هذا الحوار الصامت بين أعيننا التي تحاول جاهدة أن تصل لنقطة مشتركة حتى تساعد الحب في أن يعلن انتصاره في الجولة الأولى..
- من أنتي..
أحسست بهذا السؤال الذي انطلق من عيناه كخاطرة ليحجز أول مقعد في الصف الأمامي في ساحة قلبي الملأى بالرقص و الطرب احتفالا بهذه المشاعر الأولية..
- أنا.. لست أدري من أنا.. لست أدري ما أكون أنا أمام تلك العينين القويتين اللتان اجتمعتا فيهما قوة الرجال.. و حكمة الحكماء.. و عمق البحار و المحيطات..
كانت هذه هي إجابة عيناي عن ذلك التساؤل التخاطري..
- كم أنتي رقيقة..
- وكم أنت جذاب..
كم أنتي ناعمة..ناعسة..حالمة كليلة ربيع..
- وكم أنت رجلٌ..جامح..قوي..كفرس لا يخسر سباق..
- هل أنتي وحيدة في هذا الحفل..؟
-لم أعد كذلك..أما تلك النظرات المؤنسة..
و بعد تلك الجمل البسيطة التي تبادلتها الأعين بلغتها البليغة و التي خلقت أساسا في وجداني..إذ بامرأة شابة تقترب من هذا الشاب.. و أراها تمسك يديه و تصطحبه للخارج حيث كانا يودان الانصراف..
- يااه.. أبعد كل ذلك.. لماذا لم تقل لي أنك مرتبط..؟؟ لماذا هذا الجرح الأولي..؟؟
حقا لقد أحسست بالدنيا تدور من حولي و شعرت و كأن الأنوار كلها أطفأت..و النار في قلبي اشتعلت.. و قلت لنفسي في ضيق شديد:...
- ترى.. من هي تلك التي تستحق هذا الشاب الأسطوري..؟ من هي تلك التي استطاعت أن توقع هذا القلب المتلألئ في حبائلها..؟ و كيـ..
مهلا.. أفقت من أفكار المرأة الغيورة بداخلي على مشهد جديد، رأيت هذه الفتاه تترك الشاب ذو العينين العميقتين لتسلم على إحدى صديقاتها و تودعها قبل الرحيل..فاقتربت قليلا لأسترق السمع لما تقولان..فوجدتها تعرفها بهذا الشاب على أنه أخيها "مهند"..
ياللفرحة..
إنه أخوها و ليس زوجها أو خطيبها.. ياللسعادة.. طالما حاولت اقناع أمي و أنا صغيرة أن التنصت على الآخرين قد يكون مفيد أحيانا ..!!
- كنت أعلم أيها الشاب الذي عرفت اسمه بأنه "مهند" أنك لن تخون نظراتي لك وحوار أعيننا.. كنت واثقة من صدق ابتسامتك و أنها غير الآخرين..كنت أعلم أنك لن تخذلني..
و بينما أنا في هذا الحوار مع نفسي إذ بي أشاهد الفتاه أخت "مهند" تعود له في نفس المكان التي تركته فيه و تمسك بيده في رفق و تسير به نحو الباب..
فأجده يتعثر فيقع من جيبه هاتفه المحمول..فينحني ليأخذه و إذ به يتحسس الأرض بحثا عن الهاتف الواقع أمام عينيه التي لاترياه..
فتنحني أخته مسرعة وتلتقط الهاتف لتضعه له في جيبه من جديد و تصلح له هندامه ليغادر الحفلة..و يتركوني مذهولة مما رأيت و أنا أحاول أن أجد إجابه سؤال واحد سيطر علي..
- أعيناك صامتتان عن الرؤية..؟
ولكن سرعان ما جائتني الإجابة التي لم أكن أنتظرها من الفتاه صديقة أخته و التي لاحظت ذهولي لما رأيت، فقالت لي بصوت آسف..
- نعم.. إنه أعمى..
منار شملول
2007-08-06